الغزالي
79
الأربعين في اصول الدين
لك مال ؟ » قال : نعم ، قال عليه السلام : « قدّم مالك ، فإن قلب الرجل مع ماله ، فإن قدمه أحب أن يلحقه ، وإن أخره أحب أن يتخلف » . وقال عليه الصلاة والسلام : « إذا مات العبد قالت الملائكة : ما قدّم ؟ وقال الناس : ما خلّف ؟ » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « تعس « 1 » عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش » « 2 » . [ فصل أن المال ليس مذموما من كل وجه ] اعلم أن المال ليس مذموما من كل وجه ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « نعم المال الصالح للرجل الصالح » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « الدنيا مزرعة الآخرة » . وكيف يكون مذموما مطلقا والعبد مسافر إلى اللّه تعالى ، والدنيا منزل من منازل سفره ، وبدنه مركبه ، ولا يمكنه السفر إلى اللّه إلا به ، ولا يبقى البدن إلا بمطعم وملبس ، ولا وصول إليهما إلا بالمال ؟ لكن من فهم فائدة المال وعلم أنه آلة علف الدابة لسلوك الطريق ، لم يعرّج عليه ، ولم يأخذ منه إلا قدر الزاد ، فإن اقتصر على ذلك سعد به كما قال النبي عليه السلام لعائشة - رضي اللّه عنها - : « إذا أردت اللحاق بي فاقنعي من الدنيا بزاد الراكب ، ولا تجددي ولا تخلعي قميصا حتى ترقعيه » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا ، وإن زاد على قدر الكفاية هلك » . كما قال عليه الصلاة والسلام : « من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه ، أخذ حتفه وهلك وهو لا يشعر » . وكذلك المسافر ، إذا أخذ ما يزيد على زاد الطريق مات تحت ثقله ، ولم يبلغ مقصد سفره . فالزيادة على قدر الكفاية مهلكة من ثلاثة أوجه : أحدها : أن يدعو إلى المعاصي ، فإنه يمكن منها ومن العصمة أن لا تقدر ، وفتنة السرّاء « 3 » أعظم من فتنة الضراء « 4 » ، والصبر مع القدرة أشد .
--> ( 1 ) تعس بفتح العين أي سقط على وجهه . وفي الدعاء تعسا له وتعس وانتكس ؛ فالتعس أن يخذل وجهه ، والنكس أن لا يستقل بعد سقطته . ( 2 ) أي إذا وصل شوك في عضوه فلا انتقش على بناء المبني للمفعول ، دعاء عليه بعدم إخراجه بالمنقاش ، يعني إذا وقع في البلاء فلا يترحم عليه . وإنما خص انتقاش الشوك بالذكر لأن الانتقاش أسهل ما يتصور في المعاونة لمن أصابه مكروه ، وإذا نفي ذلك الاهون فما فوقه بالطريق الأولى . ( 3 ) السراء : الرخاء . ( 4 ) الضراء : الشدة .